محمد محفوظ

359

تراجم المؤلفين التونسيين

الهندسة - علم الحساب ، الذي هو أول التعاليم القديمة ، وأمتن العلوم المستقيمة ، ثم هو مع ذلك قد صارت آثاره خفية وأسراره مطوية ، ولم يبق منه إلّا بقايا لا تبل الصدى ، ولا تجيب النداء وإن وجد منه رسوم دارسة استولى عليها داء العجل من أصحابها ولا يمكن الإفصاح عنها من أربابها ، ومع هذا فالطلب فيه حثيث شديد والباعث عليه من النفوس أكيد ، فلما تعلقت همتي به ، وطمحت نفسي في تحصيله رأيت تآليفه بحرا لا ساحل له وبعدا لا منتهى له ، غير أن علماء العصر من إفريقية - حماها اللّه من كل أذية - قد أكبّوا على اختصارات الإمام الأوحد الفاضل الأمجد أبي الحسن علي بن محمد بن علي القرشي الأندلسي البسطي الشهير بالقلصادي ، واختاروا من اختصاراته أخصرها ، ومن تواليفه أنورها ، وهو أصغر كتبه حجما وأغربها علما المسمى « بكشف الأستار عن علم حروف الغبار » فكنت في جملة من أكبّ عليه ، ولم يجعل معوله إلّا عليه ، فوجدته عظيم الشأن رفيع الأركان محكم البنيان ، غير أنه لشدة اختصاره تكاد النفوس تيأس منه ، سيما وهو - مع ذلك - مهرة لم تركب ، ودرّة لم تثقب ، وإن تعاطاه أحد صار كأنما وقع في أجمة أسد ، لم يبلغنا عنه تعليق يليق له لا يليق ( ؟ ) وصار كلام الناس فيه آثارها تطيرها الرياح وأحاديث ليل تمحوها به الصباح لأن ما يسطر في الدفاتر لا يستقر في الفكر ، ولا تحويه الضمائر . . . ولما تردد عليّ بعض الإخوان فربما صدر مني بعض إشارات لمقاصده ولمحات لمراشده ، فطلبوا مني أن أقيد لهم ما سمعوه ، وأرسم لهم ما فهموه ، ثم إني فكرت فيما أمليت وجدته في كل لحظة يتغير فيه الأمر ، ويقبل الزيادة والنقص والتغيير والتبديل تحاشيا من النقص ، وطلبا للكمال المحبوب طبعا للنفس ، فإذا أنا لم أجد لذاك غاية ، فاضطرب عندي الأمر ، سيما ولم يسبق عندي تأليف ، فعزمت